القرطبي
126
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن أبي وقاص يفرك المنى من ثوبه . وقال ابن عباس : هو كالنخامة أمطه عنك بإذخرة وامسحه بخرقة . فإن قيل : فقد ثبت عن عائشة أنها قالت : كنت أغسل المنى من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه . قلنا : يحتمل أن تكون غسلته استقذارا كالأشياء التي تزال من الثوب لا لنجاسة ، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث . والله أعلم . وقال مالك وأصحابه والأوزاعي : هو نجس . قال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا ، وهو قول الكوفيين . ويروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم . واختلف فيه عن ابن عمر وعائشة . وعلى هذين القولين في نجاسة المنى وطهارته التابعون . السابعة - في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره ، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به ، لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس ، وذلك أن ضرع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس . فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه ، فمن قال : إن الانسان ( 1 ) طاهر حيا وميتا فهو طاهر . ومن قال : ينجس بالموت فهو نجس . وعلى القولين جميعا تثبت الحرمة ، لان الصبي قد يغتذى به كما يغتذى من الحية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم " . ولم يخص ، وقد مضى في : " النساء ( 1 ) " . الثامنة - قوله تعالى : ( سائغا للشاربين ) أي لذيذا هينا لا يغص به من شربه . يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق ، وأساغه شاربه ، وسغته أنا أسيغه وأسوغه ، يتعدى ، والأجود أسغته إساغة . يقال : أسغ لي غصتي أي أمهلني ولا تعجلني ، وقال تعالى : " يتجرعه ولا يكاد يسيغه ( 3 ) " . والسواغ ( بكسر السين ) ما أسغت به غصتك . يقال : الماء سواغ الغصص ، ومنه قول الكميت : * فكانت سواغا أن جئزت بغصة * وروى : أن اللبن لم يشرق به أحد قط ، وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .
--> ( 1 ) أي المسلم . ( 2 ) راجع ج 5 ص 111 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 349 .